الجمعة، 8 يناير 2016

وجبة اليوم وكل يوم - من القصص القصيرة لمحمد الماغوط

قصص_قصيرة
وجبة اليوم وكل يوم
كان المحاضر العربي والمتجول في جامعات أوروبا والذي نزح عن وطنه منذ سنوات طويلة هربا من الجوع والارهاب، يتجول ذات مساء في شوارع احدى المدن الوروبية وكل ما حوله من ديموقراطية وعدالة ونظام متللألئا ومتناسقا مثل شجرة الميلاد.
المظلات فوق الرؤوس، والمارة فوق الارصفة، والقانون فوق الجميع، يالها من حضارة مهذبة ودودة كالقطة المنزلية الأليفة.
ودخل أحد المطاعم الفاخرة ليتناول عشاءه، فاستقبله "الميتر" بابتسامته المعهودة للغرباء، وقدم لائحة الطعام ووقف بانتظار طلباته. فقال له الاستاذ الغريب: انني متعب من القراءة والكتابة فاقرأ لي القائمة اذا أمرت.
قال "الميتر" بحماس: أمرك سيدي. عندنا ويسكي اسكتلندي، وبيرة ألمانية، وخبز كندي، وشوربة سويسرية، وجبنة فرنسية، ولحم أرجنتيني، وكافيار روسي، ومعكرونة ايطالية، وشاي سيلاني، وقهوة برازيلية، أما الاقداح فهي تشيكية والفوط والمناشف أمريكية.
فشعر الاستاذ بغربة عميقة عن كل ما قرىء له. وانتابه حنين جارف إلى أي شيء يذكره بوطنه
وبلده.
فسأله: أليس عندكم أي شيء عربي؟
فقال الميتر: لا ، ليس عندنا أي شيء عربي سوى "الخدم".

وعاد إلى وطنه في أول طائرة حاملا  خبرته وشهاداته وأشواقه ليعوض ما فات من عمره كل هذه السنين. وما أن وصل إلى الفندق حتى ترك فيه كل شيء، ووضع يديه في جيوبه وراح يتجول حتى آخر الليل في شوارع المدينة التي أحبها وهجرهها وهو لا يكاد يشبع من هوائها وأرصفتها وسمائها ونجومها وسط النقاش العالي وراء جدرانها. ودخل أحد المطاعم بعد أن أرهقه التجوال الطويل ليتناول عشاءه ، فهب إليه "الميتر" بابتسامته المعهودة مرحبا به وبطلباته فقال له الستاذ الغريب: اقرأ لي ما عندك من أطعمة ومشروبات، فأنا كنت غائبا لسنوات وسنوات عن الوطن. وقد ل أعرف ما تعنيه الاسماء في الوقت الحاضر.
فقال الميتر: عندنا عرق لبناني وفول سوداني وكباب حلبي، وملوخية مصرية، وكبسة سعودية
وفريكة عراقية وكوسكوس تونسي وكنافة نابلسية وبطيخ أردني وقهوة معدنية. والطبخ بجميع أنواعه عربي وكما ترى المطبخ شرقي والستائر شرقية والراقصة شرقية والاغاني عربية وكذلك الفرش واللباس عربي. وكذلك أنا وموظفو الاستقبال والطهاة والمحاسبون. كلنا عرب بعرب.
فتنفس الاستاذ الصعداء وقال: يعني ليس عندكم أي شيء أجنبي؟
الميتر: أبد ا يا سيدي، ليس عندنا أي شيء أجنبي ما عدا صاحب المحل ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.