الاثنين، 17 أغسطس 2015

هل تعلم من هو آخر ملك من ملوك الحضارة الاسلامية في الأندلس وما هي قصته مع الراهبة فلورندا ؟


هل تعلم من هو آخر ملك من ملوك الحضارة الاسلامية في الأندلس وما هي قصته  مع الراهبة فلورندا ؟

من أروع القصص الحقيقية وقد ذكرها الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي في كتاب النظرات والعبرات  .

هل_تعلم، ثقافة_عامة_ أسئلة_ثقافيةبعد مرور أربعة وعشرين عاماً على خروج أخر ملوك بني الاحمر من غرناطة لم يبق في افريقية حي من بني الاحمر الا فتى في العشرين من عمره اسمه ( سعيد )  لم ير غرناطة ولا قصر الحمراء ولا المرج ولا جنة العريف ولا نهر شنيل  ولا عين الدمع ولا جبل الثلج ولكنه ما زال يحتفظ في ذاكرته من عهد الطفولة تلك الأناشيد الأندلسية البديعة التي كان يترنم بها نساء قومه حول مهده , ويرددن فيها ذكر آبائه وأجداده وآثار أيديهم وعزة سلطانهم في تلك البقاع , وتلك المرائي المحزنة الموثرة التي بكى فيها شعراء الأندلس ذلك المجد الساقط والملك المضاع , فكان كلما خلا الى نفسه ردد تلك المراثي بنغمة شجية محزنة تستثير عبرته , وتهيج أشجانه , فلا يزال يبكي وينتحب حتى يشرف على التلف .
فكان لا يتمنى على الله من كل ما يتمناه امرؤ على ربه  في حياته الا أن يرى غرناطة ساعة من زمان يشفي بها غلة نفسه , ثم ليصنع الدهر به بعد ذلك ما يشاء
وكان كلما هم في الذهاب اليها قعد به عن ذلك أن وراءه عجوزاً من أهله مريضة , وما كان يستطيع أن يتركها , ولا يجد من يعتمد عليه في القيام بشأنها حتى وافاها الاجل فركب البحر من سبتة الى شاطئ ملقة, ثم انحدر منها الى غرناطة متنكراً في ثوب طبيب عربي من أطباء الأعشاب يتبقل ( خرج لطلب البقل ) في جبال الأندلس وسهولها حتى بلغ ضاحيتها ساعة الأصيل , فتوقف على جبل من جبال الثلج فرأى الأمواه  تنزلق عنه في هدوء وسكون كأنها فوق سطحه اللامع المتلألئ قميص من النور , أو قبة من البلور, حتى تصل الى سفحه فاذا هي حيات بيضاء تنبعث ههنا وههنا لاهم بالنجاة من يد مطاردها حتى تعثر بجدول ماء في طريقها  فتدغم فيه وتنساب في أحشائه .
ثم التفت الى المدينة فرأى على البعد أبراجها العقيقية الحمراء وقبابها الشماء, ومآذنها الذاهبة في جو السماء, فوقف أمام هذا المنظر الجليل المهيب موقف الخاشع المتخضع وضم احدى يديه الى الأخرى ووضعها على صدره كأنما هو قائم أمام المحراب يؤدي صلاته ولبث على ذلك برهة ثم صاح بصوت عال رددته الغابات والحرجات يقول :
هذا ميراث آبائي وأجدادي لم يبق منه الا وقفة بين يديه كوقفة الثاكل المفجوع بين أيدي الأطلال البوالي والآثار الدوارس.
هذه مضاجعهم ينام فيها أعداؤهم , وهم لا مضاجع لهم الا رمال الصحراء وكثبان الفلوات.
هذه قصورهم تشرف على الأرض الفضاء وتطل من عيون نوافذها كأنما تترقب أن يعودوا اليها  فيعمروها  كما كانوا فلا يفعلون.
هذه قبابهم وأبراجهم رافعة رأسها  ليلها ونهارها الى السموات العلا تدعو الله أن يعيد اليها بنائها وحماتها فلا يستجاب لها دعاء.
في هذه البساتين كانوا ينعمون ,  تحت هذه الظلال كانوا يقيلون , وعلى ضفاف هذه الأنهار كانوا يغدون ويروحون ,  واليوم لا غاد منها ولا رائح ولا سائح تحت هذه السماء ولا بارح ..... ثم نظر الى الأفق فرأى الشمس تنحدر الى مغربها ورأى جيش الليل يطارد فلول جيش النهار فيبددها بين يديه تبديدا فتهافت على نفسه وهو يقول :
هكذا تدول الدولات وتسقط التيجان ,  وهكذا تحل الظلمات محل الأنوار , وهكذا تنتشر سحب الموت على وجه الحياة.
ثم توسد ذراعه واستغرق في نومه بين وطأة الأرض وغطاء السماء فلم يستفق حتى مضت دولة الليل فمشى الى نهر جار في سفح الجبل فصلى عنده صلاة الفجر , ثم انحدر الى المدينة يفتش عن خان يأوي اليه فلم يجد في طريقه من يرشده الى طلبته حتى بلغ نهر شنيل فمشى على ضفته يتفقد البذور ويتلمس الأعشاب وينتظر يقظة المدينة بعد هجعتها .
وانه لكذلك اذ انفتح بين يديه باب قصر عظيم واذا فتاة اسبانية خارجة منه قد أسبلت على وجهها خماراً أسود شفافاً وأرسلت على صدرها صليبا ذهبيا صغيرا ومشى وراءها غلام يحمل على يده الكتاب المقدس – فلمحته في مكانه فأدهشها موقفه فدنت منه ورفعت قناعها عن وجهها  فاذا الشمس طالعة حسناً وبهاءً , وقالت له بلسان عربي تخالطه بعض العجمة : أغريب أنت عن هذا البلد أيها الفتى ؟ قال : نعم لقد نزلت به الساعة فلم اعرف طريق الخان التي يأوي اليه الغرباء , ولم أجد في طريقي من يدلني عليه , فسمعت في صوته رنت الشرف ورأت بين أعطافه خمائل النعمة فأهمها أمره , وأشارت اليه أن يتبعها لتدله على ما يريد , فمشى بجانبها حتى بلغا موضع الخان فحيته بابتسامة عذبة , وقالت له : لا تنسى أن تزورني أيها الغريب كلما عرضت لك حاجة...... ثم سارت في طريق كنيستها .
                           .....................................................
كما أن السماء في ظلمة الليل تختلف اليها النجوم فتضيئ صفحتها وتمر بها الشهب فتلمع في أرجائها , حتى اذا طلعت الشمس من مشرقها محا ضوؤها  جميع تلك النيرات , كذلك القلب الانساني لا تزال تمر به مختلف العواطف وأشتات الأهواء مجتمعة ومتفرقة حتى اذا بلغ وأشرقت عليه شمس الحب غربت بجانبها جميع تلك العواطف والأهواء .
فقد أصبح الأمير ينظر الى غرناطة منذ الساعة بعين غير العين التي كان ينظر بها اليها من قبل , ويرى في وجهها صورة الأنس بعد الوحشة , والنور بعد الظلمة , والحياة بعد الموت فسكن ثائره وبردت جوانحه , وهدأت ثورة الغضب التي لا تزال تعتلج بين أضلاعه – فكان اذا مر من تلك المساجد التي استحالت الى كنائس استطاع أن يقف أمامه هنيهة عله يرى الفتاة الاسبانية بين الداخلات اليه والخارجات منه , واذا رأى الصليب مشرفاً على رأس مئذنة ذكر الصليب الذهبي الجميل الذي رآه على صدرها يوم اللقاء فاغتفر منظر هذا لمنظر ذاك , واذا سمع صوت النواقيس ترن في أجواء الفضاء ذكر أنه كان يسمع ذلك الصوت الرنان في الساعة التي رآها فيها – فأنس به وسكنت نفسه اليه .
وكذلك أصبح هذا الأمير المسكين لا هم له الا أن يمشي صبيحة كل يوم على ضفاف نهر شنيل يقلب نظره في أبواب القصور المشرفة على ذلك النهر عله يعرف قصر الفتاة فلا يعرفه , وفي وجوه الغاديات والرائحات من الفتيات عله يراها بينهن فلا يراها – حتى اذا نال منه اليأس انكفأ راجعاً الى مقبرة آبائه في ظاهر المدينة فجلس بين القبور يذرف الدموع القديمة أو دموع الذكرى الجديدة .
                                          ...........................................
نكب الدهر( فلورندا )  منذ عامين نكبة لاتزال لوعتها متصلة بقلبها حتى اليوم , فقد كان أبوها رئيس جمعية ( العصابة المقدسة ) التي قامت في وجه الحكومة أعواماً طوالاً  تطالبها بالحرية الدينية والشخصية , لجميع الشعوب المحكومة على اختلاف مذاهبها وأجناسها حتى أعيا رجال الحكومة أمرها , فدسوا لرئيسها من قتله غيلة تحت ستار الظلام , فحزنت ابنته عليه وعلى أمها التي ماتت على أثره حزنا شديدا ما كان يفارقها في جميع غدواتها وروحاتها , فأصبحت وهي لم تبلغ الثامنة من عمرها تعيش في قصرها عيش الزاهدات المتبتلات , فكان لا يراها الرائي الا ذاهبة الى الكنيسة أو عائدة منها لا يصحبها الا غلامها , أو واقفة على أطلال الدولة الماضية ورسومها تقلب فيها نظر العظة والاعتبار , أو هائمة على وجهها في مروج غرناطة وبساتينها حتى ينزل ستار الليل فتعود الى قصرها , وكذلك شأنها في جميع أيامها حتى سماها أهل غرناطة ( الراهبة الجميلة ) .
فإنها لسائرة يوما بجانب مقبرة بني الأحمر اذ لمحت على البعد فتى عربيا مكبا على أحد القبور كأنما يقبل صفائحه ويبل تربته بدموعه , فرثت لحاله ومشت نحوه حتى دنت منه فأحس بها فرفع رأسه فعرفها وعرفته  فقالت له : انك تبكي ملوكك بالأمس أيها الفتى فابكهم كثيرا فقد جف تراب قبورهم لقلة من يبكي عليهم 0 فقال : أترثين لهم يا سيدتي ؟ قالت : نعم , لأنهم كانوا عظماء فنكبهم الدهر وليس أحق بدموع الباكين , من العظماء الساقطين.  فقال : شكرا لك يا سيدتي فهذه أول ساعة شعرت فيها ببرد العزاء يدب في صدري مذ وطئت قدماي أرضكم هذه  , قالت هل زرت قصورهم وآثارهم التي تركوها من بعدهم في هذه الديار ؟  فأطرق قليلا ثم رفع رأسه فاذا دمعة تخرج من مقلتيه وقال : لا يا سيدتي : لقد حاولت الدنو منها فطردني عنها الموكلون بأبوابها كأنما هم يجهلون أن ليس من بين الأحياء جميعهم في هذا العالم من هو أولى بها مني , قالت : أتمت الى أحد أصحابها بنسب أو رحم ؟ فقال : لا يا سيدتي ولكني عبدهم ومولاهم , وصنيعة أيديهم , وغرس نعمتهم فلا أنسى ولاءهم ما حييت , قالت :ان رأيتك غدا في مثل هذه الساعة في هذا المكان ذهبت بك الى ما تريده منها : قال : لئن فعلت لا يكونن امرؤ على وجه الأرض أشكر لنعمتك مني , فحيته وانصرفت , ومضى هو الى خانه بين صبابة تقيمه وتقعده , وأمل يميته ويحييه .
وفت ( فلورندا ) لصديقها العربي بما وعتدته به فجاءته في اليوم الثاني فأزارته بعض الآثار, ثم جاءت في اليوم الثالث فأزارته بعضا منها , وهكذا , وما زال يجتمعان كل يوم ويفترقان – ويختلفان الى ما شاء الله من الرسوم والآثار لا ينكر الناس من أمرهما شيئا ؟ فقد كانوا اذا رأوهما معا : ان الراهبة الجميلة تحاول أن تهدي الفتى العربي الى دينها القويم , حتى استحال العطف الذي كانت تضمره له في نفسها مع الأيام الى حب شديد , وكذلك العطف دائما الى طريق الحب أو هو الحب نفسه لابسا ثوبا غير ثوبه . الا أن أحدا منهما لم يجرؤ أن يكاشف صاحبه بما أضمره  له في نفسه حتى جاء اليوم الذي عزم فيه على زيارة قصر الحمراء , وهو آخر ما بقي بين أيديهما من الآثار , فلا لقاء بينهما بعد اليوم.
                                         .....................................
وقف الأمير أمام قصر الحمراء فرأى سماء تطاول السماء , وطودا يناطح الجوزاء , وهضبة تشرف على الهضاب , وسحابة تمر فوق السحاب , وجبلا تحسر عن قمته العيون  , وتضل في جوانبه الظنون , وحصنا تتقاصر عنه يد الأيام –وتتهافت من حوله السنون والأعوام 0 ثم دخل فاذا ملك كبير وجنة حرير , وقباب تفضي الى النجوم بالأسرار , وأبراج تنزلق من سطوحها يد الأقدار ,وصحون مفروشة بألوان الحصباء, كأنها الرياض الزهراء , وجدران صقيلة ملساء تصف ما بين يديها من الأشياء , كما تصف المرآة وجه الحسناء , وكأن كل جدار منها لجة متلاطمة الأمواج يحبسها عن الجريان لوح من زجاج , فمشى يغلب نظره العظة والاعتبار , بين تلك المشاهد والآثار ويتنغم في نفسه بقول القائل :
                وقفت بالحمراء مستعبراً        معتبراً   أندب      أشتاتا
                 فقلت يا حمراء هل رجعة        قالت وهل يرجع من ماتا
                فلم أزل أبكي على رسمها        هيهات يغني الدمع هيهات
               كأنما آثار من قد مضوا            نوادب   يندين    أمواتا
حتى وصل الى الساحة الكبرى فرأى صحنا مفروشا ببساط من المرمر الأصفر قد دارت به في جهاته الأربعة أربعة صفوف من الأعمدة النحاف الطوال , وتراءت في جوانبه حجرات متقابلات – تعلوها قباب مشرفات , فعلم أنها حجرات الأمراء والأميرات من أهل بيته فهاجت  في نفسه الذكرى وشعر أن صدره يحاول أن ينشق عن قلبه حزناً ووجدا ً, وأحس بحاجته الى البكاء فاستحيا أن يبكي أمام فلورندا فتركها في مكانها لاهية عنه بالنظر الى بعض النقوش , ومشى الى بعض تلك القاعات حتى داناها فكان أول ما تناول نظره منها سطراً مكتوباً على بابها فما قرأه حتى صاح صيحة شديدة قائلا : ( وا أبتاه )  وسقط مغشيا عليه , فلم يستفق الا بعد ساعة طويلة ,  ففتح عينيه فوجد رأسه في حجر فلورندا ووجد في عينيها آثار البكاء ,  فقالت له : كنت أعلم قبل اليوم أنك تكاتمني شيئا من أسرار نفسك ,  والآن عرفت أنك لست عبد بني الأحمر ولا مولاهم كما تقول ,  ولكنك أحد أمرائهم , وأنك في قصر جدك أمام حجرة أبيك . فما أسوأ حظكم يا بني الأحمر وما أعظم شقائك أيها الأمير المسكين . فلم يجد سبيلا بعد ذلك الى كتمان أمره فأنشأ يقص عليها قصته وقصة أهل بيته وما صنعت يد الدهر بهم مذ جلوا عن الأندلس حتى اليوم , فلما فرغ من قصته نظر اليها نظرة منكسرة وقال لها : فلورندا ؟ ان جميع ما لقيته من الشقاء بالأمس يصغر بجانب الشقاء الذي تدخره  لي الأيام غداً . قالت : وأي شقاء ينتظرك أكثر مما أنت فيه ؟ فأطرق هنيهة ثم رفع رأسه  وقال : انني أستطيع أن أحتمل كل شيء  في الحياة الا أن أفارقك فراقا لا لقاء بعده , قالت : أتحبني أيها الأمير؟ قال : نعم – حب الزهرة الذابلة للقطرة الهاطلة , فقالت : وهل تستطيع أن تحب فتاة مسيحية لا تدين بدينك ؟ قال : نعم لأن طريق الدين في القلب غير طريق الحب , ولقد وجدت فيك الصفات التي أحبها فأحببتك لها ثم لا شأن لي بعد ذلك فيما تعتقدين قالت : وهل تستطيع أن تحب بلا أمل ؟ قال : ولما لا يكون الحب نفسه غاية من الغايات التي نجد فيها السعادة ان ظفرنا بها ؟ ومتى كان للسعادة في هذه الحياة نهاية محدودة , فلا نجد الراحة الا اذا وصلنا الى نهايتها ؟.
 وكان الليل قد أظلهما فبرحا مكانهما  ومشيا يتحدثان حتى بلغا الموضع الذي اعتادا أن يفترقا فيه , فوضعت يدها في يده وقالت له : ( سأحبك كما أحببتني أيها الأمير , وسيكون حبي لك بلا أمل كحبك , ولقد فرق الدين بين جسدينا , فليجمع الحب بين قلبينا ) وتركته وانصرفت .
ثم مرت بهما بعد ذلك أيام سعدا فيها بنعمة العيش سعادة أنستهما جميع ما لقيا في حياتهما الماضية من شقاء  وعناء فأصبحا فوق أرض غرناطة وتحت سمائها طائرين جميلين حيث يصفو لهما التغريد والتنقير , فليت الدهر ينام عنهما ويتركهما وشأنهما ولا ينفس عليهما هذه الساعات القليلة من السعادة التي ابتاعاها بكثير من دموعهما وآلامهما والتي لا يملكان من سعادة الحياة سواها , فان خسراها خسرا كل شيء .
بينما هما جالسان على ضفة جدول من جداول عين الدمع اذ مر بهما  ( الدون  رودريك ) ابن حاكم مدينة غرناطة , فرآها في مجلسهما هذا من حيث لا يريانه – وكان قد رأى فلورندا قبل اليوم فأحبها فاختلف الى منزلها أياما يتحبب اليها ويدعوها الى الزواج منه فأبت أن تصغي اليه وقالت له : انني لا أتزوج ابن قاتل أبي .فانصرف بلوعة لا تزال كامنة في نفسه حتى اليوم , فلما رآها جالسة مجلسها هذه زعم في نفسه أنها  ما أوصدت باب قلبها في وجهه الا لأنها كانت قد فتحته من قبل لذلك الفتى العربي الجميل الذي يجالسها , فذهب الى قصرها في اليوم الثاني ليفضي اليها بما وقع في نفسه , فأبت أن تقابله , فخرج غاضبا يحدث نفسه بأفظع أنواع الانتقام.
وماهي الا أيام قليلة حتى سيق الأمير سعيد بن يوسف بن أبي عبد الله بني الأحمر ملوك هذه البلاد بالأمس ومؤسسي مجدها وعظمتها ,وبناة قلاعها وحصونها ’ وأصحاب قصورها وبساتينها , ذليلا مهانا الى محكمة التفتيش ( أسست هذه المحكمة باسبانيا  على أثر جلاء العرب منها , لتنصير المسلمين واليهود فيها قهرا , وارتكبت فيها فظائع كثيرة مشهورة )
متهما بمحاولة اغراء فتاة مسيحية بترك دينها , وهي عندهم أفظع الجرائم وأهولها .
وقف الأمير أمام قضاة محكمة التفتيش فسأله الرئيس عن تهمته  فأنكرها فلم يحفل بإنكاره , وقال له : لا يدل على براءتك الا أمر واحد , وهو أن تترك دينك وتأخذ بدين المسيح , فطار الغضب من دماغه – وصرخ صرخة دوت بها أرجاء القاعة وقال :
في أي كتاب من كتبكم , وفي أي عهد من عهود أنبيائكم ورسلكم أن سفك الدم عقاب اللذين لا يؤمنون , ولا يدينون بدينكم ؟
في أي عالم من عوالم الأرض أو السماء أتيتم بهذه العقول التي تصور لكم أن الشعوب تساق الى الايمان سوقاً , وأن العقائد تسقى للناس كما يسقى الماء والخمر ؟
أين العهد الذي اتخذتموه على أنفسكم يوم وطئت أقدامكم هذه البلاد أن تتركونا أحرارا في عقائدنا ومذاهبنا وأن لا تؤذونا في عاطفة من عواطف قلوبنا , ولا شعيرة من شعائر ديننا ؟.
أهذا الذي تصنعون اليوم , والذي صنعتم بالأمس , هو كل ما عندكم من الوفاء بالعهود والرعي لذمم ؟.
نعم لكم أن تفعلوا ما تشاءون ,  فقد خلا لكم  وجه البلاد وأصبحتم أصحاب القوة والسلطان فيها , وللسلطان عزة لا تبالي بعهد ولا وفاء .
ان العهود التي تكون بين الأقوياء والضعفاء انما هي سيف قاطع في يد الأولين , وغل ملتف على أعناق الآخرين , فلا أقال الله عثرة البلهاء ولا أقر عيون الأغبياء .
أنتم أقوياء ونحن الضعفاء فأنتم أصحاب الحق الأبلج والحجة القائمة , فاصنعوا ما شئتم فهذا حقكم الذي خولكم اياه قوتكم .
اسفكوا من دمائنا ما شئتم , واسلبوا من حقوقنا ما أردتم , واملكوا علينا مشاعرنا وعقولنا حتى لا ندين الا بما تدينون , ولا نذهب الا حيث تذهبون فقد عجزنا عن أن نكون أقوياء , فلا بد أن ينالنا  ما ينال الضعفاء .
ثم حاول الاستمرار في حديثه فقاطعه الرئيس وأمر أن يساق الى ساحة الموت التي هلك فيها عشرة آلاف من المسلمين قتلا أو حرقا , فسيق اليها واجتمع الناس حول مصرعه رجالا ونساء , وما جرد الجلاد سيفه فوق رأسه حتى سمع الناس صرخة امرأة بين الصفوف , فالتفتوا فلم يعرفوا مصدرها , وما هي الا غمضة و انتباهة  أن سقط ذلك الرأس الذي ليس له مثيل .
                                              ................................
يرى المارة اليوم بجانب مقبرة بني الأحمر في ظاهرة غرناطة قبرا جميلا مزخرفا هو قطعة واحدة من الرخام الأزرق الصافي قد نحت في سطحها حفرة جوفاء تمتلئ بماء المطر فيهوي اليها الطير في أيام الصيف الحار فيشرب منها _ونقشت على ضلع من أضلاعها هذه السطور :
                                                 ( هذا قبر آخر بني الأحمر )
                                       ( من صديقته الوفية بعهده حتى الموت )
                                                     ( فلورندا فيليب )



هل_تعلم، ثقافة_عامة_ أسئلة_ثقافية


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.